النائب شكري البحري : عفوا سيدي الرئيس…
حين تصبح انقطاعات الماء والكهرباء متكررة وتمس حياة المواطن وتعطل النشاط الاقتصادي وتربك المرافق العمومية، فإننا لا نكون أمام أعطاب تقنية عابرة يمكن تجاوزها بتبرير ظرفي، بل أمام مسألة تتصل مباشرة بقدرة الدولة على ضمان استمرارية المرافق الحيوية وحماية أمنها المائي والطاقي.
وبعد بلاغ رئاسة الجمهورية الذي تحدث عن احتمال وجود أعمال مدبرة تستهدف تأجيج غضب التونسيين وإرباك البلاد، أصبح من حق التونسي أن يعرف الحقيقة كاملة:
هل نحن أمام عمل متعمد يستهدف استقرار البلاد؟ أم أمام خلل في المنظومة وتقصير في الصيانة والاستثمار والاستباق؟ ام فشل في السياسات والتوجهات ؟ وفي كل الحالات، المسؤولية قائمة، والحقيقة يجب أن تكون واضحة، لأن المواطن لا يمكن أن يبقى يدفع ثمن أزمة لا يعرف أسبابها ولا من يتحمل مسؤوليتها.
عفوا سيدي الرئيس، اذا كان الأمر كما ورد في بلاغ رئاسة الجمهورية أن هذه الانقطاعات هي نتيجة أعمال مدبرة هدفها تأجيج غضب التونسيين وإرباك البلاد، فإن السؤال الطبيعي والبديهي هو: من يقف وراء هذه الأعمال؟ وما طبيعتها؟ ولماذا لم تكشف الحقيقة كاملة للرأي العام، ولم تتم محاسبة المسؤولين عنها؟
وإذا كانت الانقطاعات، في المقابل، هي نتيجة أعطاب تقنية أو ضعف في الصيانة أو نقص في التجهيز أو قصور في الاستعداد والاستباق، فإن السؤال يصبح مختلفا ولكنه لا يقل أهمية: من يتحمل مسؤولية هذا التقصير؟ ومن كان يعلم بحجم المخاطر ولم يتخذ الإجراءات اللازمة لتفاديها؟
عفوا سيدي الرئيس، اسمح لي أيضا أن أتوقف تحديدا عند ملف الكهرباء، وهو ملف سبق أن اشتغلنا عليه داخل لجنة الصناعة والطاقة في مجلس نواب الشعب، وطرحنا بشأنه أسئلة وتحذيرات لم تكن وليدة أزمة اليوم.
لقد كان واضحا منذ سنوات أن منظومة الكهرباء في تونس تواجه ضغوطا متزايدة، وأن استمرارها بالخيارات نفسها، من دون إصلاحات هيكلية واستثمارات كافية واستباق للمخاطر، سيقود بالضرورة إلى مزيد من الهشاشة وارتفاع الكلفة وتعاظم التبعية الخارجية و سيسبب مشاكل وأزمات.
ومن داخل المؤسسة البرلمانية، حاولنا لفت الانتباه إلى هذه المخاطر، وقدمنا مقترحات تشريعية، وطرحنا أسئلة تتعلق بالسيادة الطاقية والأمن الطاقي، وتوازن المنظومة، وقدرات الإنتاج والنقل والتوزيع، والصيانة، والاستثمار، والاستباق، وتنويع مصادر الطاقة، والخيارات التي ستحدد مستقبل البلاد.
لكن، بكل أسف، لم تجد تلك التحذيرات والمبادرات التفاعل المطلوب، ولم تتحول بالسرعة اللازمة إلى سياسات وإجراءات تحمي المنظومة من المخاطر التي كنا نحذر منها.
لذلك، عفوا سيدي الرئيس، لا أعتقد أن من الإنصاف اختزال ما يحدث اليوم في “عطب تقني” أو “مؤامرة” فقط، قبل وضع كل المعطيات الموضوعية على طاولة النقاش
.
نحن أمام مسؤوليات متعددة ومتداخلة:
مسؤولية تقنية في إدارة المنظومة وصيانتها وتأمين استمراريتها.
ومسؤولية إدارية تتعلق بالتخطيط والحوكمة والاستباق والاستعداد للمخاطر.
ومسؤولية سياسية ترتبط بالخيارات التي تراكمت لسنوات، وبمدى قدرة الدولة على بناء سياسة طاقية مستقرة، واضحة ناحجة،ناجعة، وطويلة المدى.
وهنا أطرح السؤال الأهم:
ماذا لو كانت أزمة اليوم، في جانب كبير منها منها، نتيجة تراكم أخطاء في السياسات والتوجهات والاستراتيجيات الطاقية؟
هذه ليست مسألة نظرية، بل هي الحقيقة الثابتة التي يجب ان يعرفها الجميع، و هي الاجابة الجازمة لكل ما يحدث الان في تونس.
وللتحقق من صحة وجهة نظرنا والتحقق من سلامتها، نعيد طرح الأسئلة التي تستحق إجابات مؤسساتية واضحة ومسؤولة.
ماذا عن غياب رؤية طاقية وطنية تشاركية واضحة وطويلة المدى؟
ماذا عن التوجه والتشبث فقط بتمرير لزمات مشاريع الطاقات المتجددة للأجانب على حساب المؤسسات الوطنية، من دون أن تواكب هذا الخيار منظومة متكاملة للإنتاج والتخزين والمرونة والشبكات الذكية، بما يضمن استقرار المنظومة الكهربائية و يدعم سيادتنا الطاقية؟
ماذا عن دور المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها الشركة التونسية للكهرباء والغاز، في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وهل تم توفير الظروف والتمويل والحوكمة اللازمة لها حتى تضطلع بدورها كاملا و لماذا تم تعطيل مشاريعها وارغامها التنازل عن حقوقها في ارصدة الكربون ؟
ماذا عن مشاريع تأمين الغاز اللازم لاستمرارية إنتاج الكهرباء ولماذا تم تعطيل احداث محطة لاستقبال الغاز المسال ؟
ماذا عن البرنامج النووي السلمي لإنتاج الكهرباء، وما آل إليه من تعطيل أو تجميد، وهل تمت دراسة كل الخيارات الممكنة بجدية وشفافية في إطار استراتيجية وطنية لأمن الطاقة؟
لماذا لم تدعم الوزارة المصانع للاستثمار في الطاقة الشمسية وخزنها وبيعها للـ«ستاغ» وقت الذروة، واختارت بدل ذلك فرض إجراءات معقدة وشروط مجحفة عطّلت هذا التوجه؟
ماذا عن المخطط الطاقي، ولماذا لم يتم اعداده كما ينص القانون منذ 2015 ،و الى الان ولم يتم اعداده و لم ينشر بأمر؟
ماذا عن ثرواتنا الوطنية وأرصدة الكربون، وكيف تتم إدارتها وتثمينها وحمايتها بما يضمن المصلحة الوطنية و كيف تم التفريط في جزء منها للأجانب؟
ماذا عن تراجع الاستكشاف والبحث ودعم الإنتاج المحروقات، وانعكاس ذلك على الميزان الطاقي؟
ماذا عن الأموال العمومية والقروض التي أنفقت في مشاريع وبرامج وهمية ، وما مدى مردوديتها ونجاعتها وملاءمتها للأهداف الوطنية؟
وماذا عن البيانات والتقارير والشكايات التي سبق أن قدمناها بشأن مسؤوليات وشبهات وأخطاء محتملة في صياغة الاستراتيجيات وتنفيذ السياسات وتقديم التنازلات و الامتيازات للاجانب بشكل غير مبرر، وهل تم التعامل معها بالجدية التي تستحقها؟
عفوا سيدي الرئيس…فالمواطن التونسي لا يريد الدخول في لعبة الاتهامات والمسؤوليات.
هو يريد شيئا بسيطا جدا:
أن يفتح الحنفية فيجد الماء، وأن يضغط على زر الكهرباء فتشتغل.
ويريد، في الوقت نفسه، أن يعرف الحقيقة.
هل نحن أمام أعمال مدبرة؟
أم أمام تقصير؟
أم أمام أعطاب واختلالات تراكمت بسبب ضعف الصيانة والاستثمار والاستباق؟
أم أن الأمر يتعلق بأخطاء في الخيارات والسياسات؟
أم أننا أمام مزيج من كل ذلك؟
لأن أخطر ما في الأزمة ليس فقط أن ينقطع الماء أو الكهرباء، الأخطر أن يعيش المواطن واقعا، بينما تصل إلى سيادتكم روايات مختلفة عن هذا الواقع.
إذا كانت هناك أعمال تخريب، اكشفوا أصحابها بالأدلة وحاسبوهم.
وإذا كان هناك تقصير، حاسبوا المقصرين.
وإذا كانت هناك أخطاء في السياسات والخيارات، فلنعترف بها ونصححها.
وإذا كانت هناك حلول للحد من الأزمات، فلنبدأ في تنفيذها اليوم، لا بعد أن يدفع المواطن الثمن.
عفوا سيدي الرئيس…
تونس لا تحتاج إلى روايات متضاربة، ولا إلى شماعة، ولا إلى حلول ظرفية.
تونس تحتاج إلى الحقيقة كاملة، والمسؤولية واضحة، وسياسة طاقية وطنية تضع أمن البلاد وسيادتها ومصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
فالماء والكهرباء ليسا مجرد خدمات.
إنهما جزء من أمن البلاد ، واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي، وسيادتها الوطنية.
والشعب التونسي يريد الماء والكهرباء…
ولا تهمه التبريرات بقدر ما تهمه معالجة الاشكاليات وتسريع الاجراءات وضمان ان لا تتكرر هذه الازمات.




