حكايات ليست كالحكايات صيف جيلنا “ضيف” وأي ضيف! مصطفى عطية
يقولون ويرددون منذ عقود ان “الصيف ضيف”، وهو فصل الراحة والإستجمام، لكن جيلنا، المتمرد دوما، يرى هذا الفصل من ذاك المنظار المحدب لتمرده ورفضه ومخالفته لكل سائد ومعهود ! نحن الجيل الذي كلما إنتهى الموسم الدراسي، الثانوي أو الجامعي، وحل فصل الصيف، نبدا مرحلة جديدة من الجهد ومداومة الجهد، فما ان نرمي بالكراسات والكتب جانبا، حتى يطرق أبواب منازلنا الكبيرة المسمرة، طارق، إعتدنا عليه منذ سنوات، هو مبعوث أحد النزل السياحية المترامية على شاطئ منطقة الدخيلة بالساحلين، تلك الأراضي الخصبة ذات الأشجارالمثمرة، التي إنتزعتها الدولة إنتزاعا تعسفيا من أهالينا، مقابل دنانير قليلة، لإقامة منطقة سياحية. جاء الطارق ليحثنا على الإلتحاق بالعمل في النزل، كما جرت العادة.
لم يكن العرض مفصلا مطلقا، إذ لا نعرف نوعية العمل، ولا توقيته ولا حتى أجرته، ولكن نقبله كأمر غير قابل للرفض أو التردد أو حتى النقاش والإستفسار. عندما تطأ أقدامنا مكتب المسؤول عن العملة نجد ترحيبا روتينيا، لا نعرف إن كان تلقائيا أو متصنعا، ونكتشف لحظتها نوعية العمل الذي سنكلف بإنجازه طيلة شهرين كاملين : حارس بوابة النزل نهارا أو ليلا، حارس الشاطئ في الصبح والعشية أم عندما يسدل الظلام ستائره، نادل في الحانة أو المطعم، منشط أطفال، مرافق عجز، منظم سهرات، مكلف بمراكب الترفيه، عون غسيل في المطبخ، عون صيانة، سباح منقذ، عون إستقبال، مستكتب بالإدارة، عون تنظيف بيوت، حمال حقائب، حارس ملهى، ديسك جوكاي(دي دجي)، أمين صندوق…. والقائمة طويلة.
نقبل ما عرض علينا دون نقاش ونباشر عملنا بكثير من الجدية والإلتزام. ننظر إلى البحر ولا نقترب منه، وإن حدث ولامست أيدينا أو أقدامنا مياهه فلن يكون ذلك إلا في إطار متطلبات العمل وطوارئه، كأن ندفع مركبا ترفيهيا عطلته الرمال، أو ننقذ أحد المهددين بالغرق، أو نملأ قارورة بماء البحر لأحد المسؤولين، الذي يعاني من آلام مزمنه في انفه ! قد نجد أحيانا فرصة ضائعة بعد العمل فنرتمي في الماء، ولكن سرعان ما نغادره بسبب نداء الواجب. فنحن في ذاك المكان للعمل ولا شيء غير العمل. يحدث ان يواعد أحدنا فتاة شقراء من تلك البقاع التي نحلم بالهجرة إليها علنا أو سرا، فتنتظره على الشاطئ وهي تحلم بلحظات سباحة رومنسية معه، لتنصهر سمرته الطبيعية مع بياضها الناصع، ويغرقان في ذاك الذي يتجاذبه مفهوم كل منهما للحياة وخاصة حلالها وحرامها، ولكن غالبا ما نتخلف عن المواعيد بسبب عمل إضافي طارئ طلبه منا أحد المسؤولين الذين لا يواعدون الفتيات ابدا. نعتذر للفتيات المحبطات، ونصر على الإعتذار، لكنهن غالبا ما يرفضن إعتذاراتنا، لأن الحب في معتقدهن الحياتي لا يقبل ابدا إستهتارا بمواعيده المقدسة.
تتوفر لنا فرص أخرى فنعيد الكرة مع شقراوات أخريات، ونأتيهن في الموعد ونخرج معهن حيث فضاء الله الشاسع ليعترضنا من له رغبة في إفساد متعتنا. نعود إلى المنزل منهكين من العمل، ومن التجوال مع الشقروات المتيمات بالعشق المباح، ومن أسئلتهن التي لا تنتهي، وأحيانا، وربما في أغلب الأحيان، متعبين من نهمهن الواسع للمتعة واللذة، فنجد أمهاتنا في ٱنتظارنا وقد علت وجوههن ملامح الإستنكار، محملة بغضب ووعيد آبائنا، الذين بلغهم من الوشاة خبر “إستهتارنا”.
نعود أدراجنا منكسرين، ونتجه نحو مقهى الحي في ٱنتظار مرور آبائنا بٱتجاه المسجد للصلاة و متطلبات ما بعد الصلاة حتى نتمكن من العودة إلى منازلنا دون ان نلتقي بهم. يحل آخر الشهر الأول فنتجه إلى القابض للحصول على أجرتنا لنجد ان ما من به علينا الحرفاء من إكراميات يفوقها بأضعاف. نضعها في جيوبنا ونعود إلى الديار لنرمي بها بين أيدي أمهاتنا لينفقنها في شراء السكر والشاي والمشروبات الغازية والعصائر والبيض والفواكه، هدايا لنساء الحي بمناسبة افراح النجاح والخطوبة والزواج !
يبدا الشهر الثاني، شهر اوت، بالوتيرة ذاتها، والقيظ ذاته، والديكور ذاته، والأشخاص انفسهم، ولن تتغير إلا وجوه الشقروات. رحلت كاترين وليزا وآن وهيلان ودغما وروبيكا وجاين…. وحلت ميلينا وإيليزابات وجولي وكلوديا وبربارا وديانا… فتتعدد المواعيد لبسقط بعضها ويستقيم بعضها الآخر. يحدث ان نأتي للعمل قبل الوقت فنسترق لحظات للتجول على الشاطئ فيعترضنا بعض الصيادين وهم يجذبون شباكهم بأناة وصبر، ننضم إليهم، دون دعوة منهم، ليكون نصيبنا ما شاء الحظ من الأسماك، لكن كيف السبيل للمحافظة عليها في ذاك القيظ؟ نفكر ملياً فينتصب امامنا عم حسن المختص في شراء وبيع كل شيء حتى ماء البحر، ويعرض علينا شراءها بأبخس الأثمان فنقبل العرض وكأنه قدر محتوم.
ينتهي الصيف، وينتهي العمل، وتنتهي المواعيد مع الشقراوات، وتنتهي الوشايات، ويحل موعد العودة إلى الدراسة ! الصيف “ضيف” !




