“حين يرحل حرّاس الذاكرة…”
ليس أصعب على المدن من أن تفقد أحد حرّاس ذاكرتها. ….فالموت، حين يختار عالمًا لا يطفئ قلبًا واحدًا فحسب بل يُسدل ستارًا على مكتبةٍ كانت تمشي بين الناس وعلى ذاكرةٍ كانت تحفظ ما نسيه الزمن وعلى عينٍ كانت تقرأ في الحجر ما لا تقرؤه العيون.
اليوم، تودّع صفاقس واحدًا من أبنائها البررة المؤرخ علي الزواري الرجل الذي لم يكتفِ بأن يكتب تاريخ المدينة، بل عاشه ونقّب في طبقاته وأعاد إلى أهلها صورًا كادت تضيع في غبار السنين.
كان إذا أمسك وثيقةً قديمة بعث فيها الحياة وإذا وقف أمام معلمٍ صامت أنطقه بما شهد من وقائع وأحداث.
لم يكن التاريخ عنده سردًا للأحداث ولا عدًّا للسنين بل كان وفاءً للأماكن وإنصافًا للناس، وحفظًا لذاكرة وطن.
كان يؤمن أن المدن تموت مرتين: مرةً إذا هُدمت جدرانها ومرةً إذا نُسي تاريخها. لذلك كرّس عمره ليمنع عن صفاقس هذا الموت الثاني.
كم من صفحةٍ كتبها كانت جسرًا بين الأمس واليوم. وكم من وثيقةٍ أنقذها من النسيان فأصبحت شاهدًا على زمنٍ مضى. وكم من باحثٍ وجد في كتبه مفتاحًا لبابٍ كان يظنه موصدًا.
لقد رحل الجسد، لكن بقي الأثر
وبقيت الكتب شاهدةً على أن صاحبها لم يكتب ليملأ رفوف المكتبات بل كتب ليوقظ الذاكرة ويعيد إلى المدينة صوتها وإلى التاريخ وجهه الحقيقي.
أيها الراحل الكريم…
لعل أكثر ما يحزن في الفراق أن المدينة التي أحببتها ستفتقد خطاك في أزقتها وستفتقد عينيك وهما تتأملان أسوارها وميناءها وأسواقها باحثًا عن قصةٍ لم تُكتب بعد.
لكن عزاءنا أنك تركت لمن يأتي بعدك خرائط يهتدون بها ومنهجًا يسيرون عليه ورسالةً لا تنطفئ.
لقد كنت من أولئك الذين لا يطلبون من التاريخ مجدًا لأنفسهم بل يمنحون التاريخ مجدَه. ولهذا، فإن اسمك سيبقى مقترنًا بصفاقس، كما يقترن اسم المؤرخ بمدينته التي أحبها وأخلص لها.
نسأل الله أن يجعل كل حرفٍ كتبته في ميزان حسناتك وكل علمٍ انتفع به الناس صدقةً جاريةً لا ينقطع أجرها وأن يرحمك رحمةً واسعة ويجزيك عن وطنك وطلاب العلم خير الجزاء.
رحمك الله يا أستاذ علي الزواري…
فإذا كانت المدن تُبنى بالحجارة فإنها لا تبقى حيّة إلا بأمثالك أولئك الذين يحفظون ذاكرتها ويصونون تاريخها ويورثون أبناءها معنى الانتماء.
سلامٌ عليك يوم ولدت، ويوم علّمت، ويوم رحلت، ويوم تُبعث حيًّا.
فتحي المصفار





