طرق اعداد بعض الأغذية في شمال افريقيا القديمة بقلم : محمد جمال الشرفي.
المقارنة بين طرق طحن الحبوب والتوابل والزيتون في العهد القبصي والبربري والعصر الحديث تكشف اختلافا كبيرا في الأدوات، لكنها تكشف أيضا نقطة أساسية: جودة الغذاء لا تتحدد باسم الأداة وحدها، بل بنوع المادة، ودرجة الحرارة، والنظافة، ومدة التخزين، ونسبة الرطوبة، ونوعية الوعاء الذي يحفظ فيه الغذاء.
في شمال إفريقيا القديم، ومن ضمنه المجال الذي ارتبط بالثقافة القبصية، اعتمد الإنسان على الحجارة في سحق الحبوب والبذور والمواد النباتية. الأدوات الحجرية كانت تسمح بتحويل الحبوب إلى دقيق أو مجروش باستعمال الاحتكاك والضغط. ثم تطورت هذه التقنيات لدى المجتمعات الأمازيغية لاحقا، فاستعملت الرحى الحجرية والمدقات والمطاحن اليدوية، واستعملت أوعية من الفخار والخشب والجلد وغيرها لحفظ المنتجات. يجب هنا التمييز بين العهد القبصي، الذي يعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وبين الفترات الأمازيغية اللاحقة، لأن الأدلة الأثرية لا تسمح دائما بإسناد كل تقنية تقليدية إلى القبصيين بصورة مباشرة.
الطحن بالحجر له خاصية مهمة. العملية بطيئة نسبيا، وتنتج دقيقا تختلف درجة نعومته بحسب شكل الحجر وطريقة استعمال الرحى. الاحتكاك الطويل يرفع الحرارة، لكن سرعة الارتفاع الحراري عادة أقل من بعض المطاحن الصناعية السريعة. كما أن طحن الحبة كاملة يحافظ على النخالة والجنين، وهما يحتويان على الألياف والمعادن ومركبات نباتية مختلفة. لكن الدقيق الكامل الناتج عن طحن الحبة كاملة يتأكسد أسرع بعد الطحن، لأن الدهون الموجودة في الجنين تصبح أكثر تعرضا للهواء والإنزيمات. الدراسات الخاصة بدقيق القمح الكامل تشير إلى أن عملية الطحن تسرع التغيرات التأكسدية والتحلل المائي للدهون، وهذا يؤثر في الرائحة والطعم ومدة الحفظ.
أما المطاحن الحديثة فتستخدم أنظمة مختلفة، منها الأسطوانات المعدنية والمطارق والسكاكين والأنظمة متعددة المراحل. ميزتها الأساسية هي التحكم في حجم الجزيئات والقدرة على معالجة كميات كبيرة بسرعة مع إمكانية ضبط الحرارة والرطوبة والنظافة. لذلك لا يصح علميا القول إن كل طحن حديث أسوأ من الطحن الحجري، أو إن كل طحن حجري أفضل صحيا. النتيجة تعتمد على تصميم الآلة وظروف التشغيل وجودة المادة الخام.
عند المقارنة بين الحجر والحديد، تظهر مسألة أخرى تتعلق بسلامة الغذاء. الحجر نفسه ليس مادة سحرية أو مضمونة. إذا كان الحجر غير مناسب أو متآكلا، فقد تنتقل منه جزيئات معدنية أو صخرية إلى الغذاء. وفي المقابل، المعدات المعدنية الحديثة المصنوعة من فولاذ مناسب للاستخدام الغذائي تسمح بالتحكم في النظافة والصيانة وتقليل انتقال المواد غير المرغوبة. لذلك لا يكفي القول إن الحجر طبيعي والحديد صناعي. المعيار العلمي هو سلامة المادة الملامسة للغذاء، ونظافتها، ومعدل تآكلها، وطريقة تصنيعها وصيانتها.
أما البلاستيك، فالموضوع أكثر تعقيدا. بعض أنواع البلاستيك مصممة خصيصا للاستخدام الغذائي وتخضع لتقييمات تتعلق بانتقال المواد الكيميائية من العبوة إلى الغذاء. الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء توضح أن المواد الملامسة للغذاء تشمل البلاستيك والمعادن والزجاج والسيراميك وغيرها، وأن بعض المواد الكيميائية تستطيع الانتقال من مواد التلامس إلى الطعام، ولذلك يجري تقييمها اعتمادا على بيانات الهجرة والسمية.
لهذا السبب لا يصح أيضا القول إن الفخار أو الحجر أو الحديد آمن دائما، وإن البلاستيك ضار دائما. نوع المادة وطريقة استعمالها ودرجة الحرارة ومدة التلامس عوامل أساسية. البلاستيك المخصص للطعام يختلف عن البلاستيك غير المخصص للطعام، كما يختلف تخزين الزيت أو التوابل في وعاء بلاستيكي عن تخزين حبوب جافة في كيس مخصص للغذاء.
بالنسبة إلى التوابل، فإن الطحن يزيد مساحة سطح المادة المعرضة للهواء. وهذا يساعد على إطلاق المركبات العطرية، لكنه يسرع فقدان بعضها أيضا. لذلك نجد غالبا فرقا بين التوابل التي تطحن مباشرة قبل الاستعمال وبين التوابل المطحونة المخزنة فترة طويلة. الرائحة القوية للتوابل الطازجة مرتبطة ببقاء مركبات طيارة أكثر، بينما يؤدي الضوء والحرارة والأكسجين إلى تغير تدريجي في الرائحة والطعم. وهذا يفسر جزءا من الانطباع القديم بأن بعض التوابل المطحونة حديثا تمتلك رائحة أقوى.
الحبوب الكاملة تعطي حالة مشابهة. عندما تكون الحبة سليمة، تبقى مكوناتها الداخلية محمية نسبيا. بعد الطحن تصبح الأجزاء الداخلية معرضة للهواء. لذلك فإن الدقيق الكامل يحتاج إلى ظروف تخزين أفضل من الحبوب الكاملة. الرطوبة والحرارة والأكسجين عوامل رئيسية في سرعة التلف.
أما الزيتون، فالمقارنة أكثر دقة. الرحى الحجرية التقليدية تسحق الثمار ببطء وتنتج عجينة زيتون. أما التقنيات الحديثة فتستعمل كسارات ومطارق وسكاكين وأنظمة نزع النوى ومعدات عجن واستخلاص تعمل بصورة مستمرة. طريقة تكسير الزيتون تؤثر في المركبات الفينولية والمركبات الطيارة التي تعطي زيت الزيتون رائحته وطعمه وخصائصه المضادة للأكسدة. دراسات تجريبية وجدت أن نوع الكسارة وظروف التكسير يؤثران في الحرارة والمركبات الفينولية والمركبات المسؤولة عن الرائحة. وفي إحدى الدراسات أدى استعمال كسارة ذات شفرات إلى تغيرات في المركبات الفينولية والمركبات الطيارة مقارنة بكسارة المطارق.
وهذا يفسر لماذا يختلف زيت الزيتون المنتج بالطريقة التقليدية عن زيت آخر منتج في معصرة حديثة. الفرق لا يعود إلى الحجر وحده. صنف الزيتون، ودرجة النضج، ووقت القطاف، ونظافة الثمار، ومدة الانتظار قبل العصر، ودرجة الحرارة، ومدة العجن، وكمية الأكسجين أثناء العملية، كلها تؤثر في النتيجة. المركبات الفينولية والمركبات الطيارة تشارك في تحديد المرارة والرائحة والطعم الأخضر والفاكهي للزيت.
من ناحية التذوق، الأغذية التقليدية قد تعطي إحساسا مختلفا بسبب اختلاف درجة الطحن وحجم الجزيئات وطريقة الطبخ والتخزين. الدقيق الحجري الكامل مثلا يحتفظ بالنخالة والجنين، فيعطي خبزا ذا نكهة أقوى وقوام مختلف عن الدقيق الأبيض المكرر. لكن النكهة الأقوى لا تعني تلقائيا قيمة غذائية أعلى في كل جانب، كما أن الطعم التقليدي لا يعني تلقائيا غياب المخاطر الصحية.
وهنا تظهر مسألة العلاقة بين طرق الغذاء القديمة والأمراض الحديثة. لا توجد قاعدة علمية تقول إن ظهور أمراض العصر الحديث سببه انتقال الإنسان من الرحى الحجرية إلى المطحنة المعدنية أو من الفخار إلى البلاستيك. العلاقة أقوى مع التغير الشامل في النظام الغذائي ونمط الحياة. منظمة الصحة العالمية تربط الأنظمة الغذائية غير الصحية بارتفاع مخاطر أمراض مزمنة مثل السكري وأمراض القلب والسكتة الدماغية وبعض أنواع السرطان، وتشير إلى أهمية الحبوب الكاملة والخضار والفواكه والبقول والمكسرات وتقليل السكريات والملح والدهون غير الصحية.
الدراسات الحديثة حول الأغذية فائقة المعالجة وجدت ارتباطا بين ارتفاع استهلاكها وعدد من النتائج الصحية السلبية. مراجعة شاملة منشورة عام 2024 جمعت عشرات التحليلات وشملت ملايين المشاركين، ووجدت ارتباطات مع السمنة والسكري وبعض أمراض القلب وغيرها. لكن طبيعة جزء كبير من هذه الأدلة رصدية، لذلك لا يصح تحويل الارتباط وحده إلى إثبات أن طريقة التصنيع هي السبب المباشر لكل مرض.
الفرق الأساسي بين الماضي والحاضر إذن لا يكمن في الحجر مقابل الحديد وحدهما. الإنسان القديم كان يأكل كمية أكبر من الأغذية المحلية قليلة التصنيع في كثير من المجتمعات، بينما أصبح الغذاء الحديث في بعض البيئات أكثر اعتمادا على المنتجات المصنعة والغنية بالطاقة والسكريات والدهون والملح. في الوقت نفسه، العصر الحديث أضاف فوائد مهمة، مثل القدرة على تنظيف الحبوب، وتجفيفها، ومراقبة التلوث، وضبط درجة الحرارة، وتقليل الحشرات، وفحص المواد الغذائية، وتحسين سلامة التصنيع.
أما التخزين، فقد اعتمدت المجتمعات القديمة على التجفيف، والفخار، والحفر، والأوعية المغلقة، والحبوب غير المطحونة، وأحيانا مواد نباتية أو الرماد وأساليب أخرى بحسب المنطقة والمناخ. بعض هذه الأساليب كان فعالا جدا عندما يطبق في بيئة جافة. منظمة الأغذية والزراعة تشير إلى أن التخزين المحكم كان معروفا تقليديا، وأن خفض الأكسجين وارتفاع ثاني أكسيد الكربون داخل الوعاء يساعدان على الحد من حشرات التخزين، بشرط أن تكون الحبوب جافة بصورة مناسبة.
وهذه نقطة مهمة في مقارنة القديم بالحديث. التقنية القديمة لم تكن بالضرورة بدائية في مفهومها العملي. بعض طرق التخزين التقليدية كانت متكيفة مع المناخ المحلي والخبرات المتراكمة. منظمة الأغذية والزراعة تشير إلى أن كثيرا من طرق التخزين التقليدية كانت ملائمة للظروف الاجتماعية والاقتصادية والمناخية التي نشأت فيها.
لكن التخزين الحديث يملك أدوات أكثر دقة. تستطيع المخازن الحديثة التحكم في الرطوبة والحرارة والتهوية، واستخدام التخزين المحكم، ومراقبة الحشرات والعفن، وفحص الحبوب دوريا. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن إبقاء الحبوب جافة وفي ظروف مناسبة، ومنع دخول الماء والحشرات والقوارض، عوامل أساسية للحفاظ على الجودة.
هناك أيضا فرق مهم بين تخزين الحبوب وتخزين الدقيق. الحبوب الكاملة تتحمل التخزين مدة أطول من الدقيق في ظروف مناسبة، لأن الطحن يكسر البنية الطبيعية للحبة ويعرض الدهون الموجودة في الجنين والنخالة للأكسدة. لذلك كان الاحتفاظ بالحبوب وطحنها عند الحاجة وسيلة عملية لحماية جودة الغذاء. هذه الفكرة القديمة تتوافق مع مبادئ علم الأغذية الحديث.
وبالنسبة إلى زيت الزيتون، فإن التخزين يحتاج إلى حماية أكبر من الضوء والحرارة والأكسجين. الزيت منتج حساس للأكسدة، وتتأثر مركباته العطرية والفينولية بظروف المعالجة والتخزين. لذلك فإن وعاء مناسب، ودرجة حرارة منخفضة نسبيا، وتقليل تعرض الزيت للضوء والهواء، عوامل أهم من كون الوعاء قديما أو حديثا.
المقارنة العلمية النهائية لا تعطي صورة تقول إن الماضي كان صحيا بالكامل وإن الحاضر أصبح ضارا بالكامل. الأدوات الحجرية خدمت الإنسان لآلاف السنين، ووفرت وسيلة فعالة لطحن الحبوب والبذور. المعدات الحديثة حسنت السرعة والدقة والنظافة والتحكم في العملية. الحديد أو الفولاذ الغذائي ليس ضارا لمجرد كونه معدنا، والبلاستيك الغذائي ليس ضارا لمجرد كونه بلاستيكيا، والحجر ليس آمنا تلقائيا لمجرد كونه طبيعيا.
العامل الحاسم هو سلسلة الغذاء كاملة: نوع الحبوب أو الزيتون، جودة المحصول، طريقة الطحن، درجة الحرارة، النظافة، مقدار التلوث، طريقة التخزين، مدة التخزين، نوع العبوة، ثم كمية الغذاء التي يستهلكها الإنسان ونمط حياته العام. لهذا نجد أن أفضل ما يمكن أخذه من التجربة القديمة هو الاعتماد على الأغذية الأقل تصنيعا، طحن الكمية اللازمة عند الحاجة، تجفيف الحبوب جيدا، حماية الأغذية من الرطوبة والحرارة والحشرات، والمحافظة على جودة المادة الخام. ومن التكنولوجيا الحديثة يمكن أخذ النظافة الدقيقة، ومراقبة الحرارة والرطوبة، والفحص المخبري، والمواد الغذائية المعتمدة، والتخزين المحكم، مع تجنب الإفراط في الأغذية فائقة المعالجة.
المراجع العلمية
منظمة الصحة العالمية، Healthy Diet، 2026. (Organisation mondiale de la santé)
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، Grain Storage Techniques. (FAOHome)
هيئة سلامة الغذاء الأوروبية، Food Contact Materials، 2026. (European Food Safety Authority)
Doblado-Maldonado وآخرون، Key Issues and Challenges in Whole Wheat Flour Milling and Storage، Journal of Cereal Science. (ScienceDirect)
Lane وآخرون، Ultraprocessed Food and Chronic Noncommunicable Diseases، Obesity Reviews. (DOI)
BMJ، Ultra-processed Food Exposure and Adverse Health Outcomes، 2024. (bmj.com)
دراسات استخلاص زيت الزيتون وتأثير أنظمة التكسير في المركبات الفينولية والمركبات الطيارة والصفات الحسية. (PubMed Central (PMC))




