في بلاط صاحبة الجلالة عبد الكريم قطاطة ….العازف بالقلم!…محمد الماطري صميدة
هناك صحفيون يكتبون المقال…وهناك من يحوّل المقال إلى قطعة من الأدب…ومن هؤلاء كان الأستاذ عبد الكريم قطاطة.
لم يكن قلمه يطارد الخبر بل كان يطارد الجمال الكامن خلف الخبر… ولم يكن يكتفي بأن ينقل الفكرة بل كان يكسوها لغة آسرة حتى يصبح المقال رحلة لا يريد القارئ أن تنتهي.
عرفته أول مرة من خلال جريدة الأيام….ويا لها من أيام…!
كنت أفتح الجريدة لأقرأ مقالاته قبل أن أقرأ عناوينها… كانت صفحته بالنسبة إليّ موعدا مع المتعة لا مع الخبر فقط…كان يجعل من القراءة لذة…ومن الكلمة نافذة على عالم أكثر رحابة…حتى خُيّل إليّ أن جريدة “الأيام” لم تكن تصدر إلا ليكتب فيها عبد الكريم قطاطة…طبعا صحبة نجيب الخويلدي وهندة الروادي وعبد القادر المقري..!
كان يمتلك نعمة نادرة لا تُدرَّس في معاهد الصحافة ولا تُكتسب بكثرة القراءة وحدها… إنها نعمة الأسلوب…!
الأسلوب الذي يجعل القارئ يعرف الكاتب من أول سطر قبل أن يرى توقيعه.
كانت جمله تمشي بهدوء لكنها تترك أثرا عميقا… وكانت عباراته رشيقة كأنها خرجت لتوها من بستان لغة لا من غرفة تحرير…يكتب بحكمة العالم وبعمق المفكر وعزف الموسيقار…!
ولذلك لم يكن عبد الكريم قطاطة صحفيا فحسب…كان كاتبا بالمعنى النبيل للكلمة.
كان يؤمن أن المقال لا يعيش بالخبر وحده بل يعيش بالفكرة وباللغة وبالروح التي ينفخها صاحبه بين السطور.
كنت أشعر وأنا أقرأ له أن الرجل لا يستعجل الوصول إلى النهاية… كان يرافق قارئه كما يرافق الصديق صديقه في نزهة طويلة يتوقف عند التفاصيل الصغيرة ويمنحها قيمة ويجعل من اليومي والعابر مادة للتأمل.
وهذا هو سر الكبار…إنهم يرون ما لا يراه الآخرون…!ويكتبون ما يشعر به الجميع لكنهم وحدهم يعرفون كيف يقولونه.
كان عبد الكريم قطاطة من أبناء الزمن الجميل…ذلك الزمن الذي كانت فيه الجريدة تُقرأ من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة وكانت الزاوية الصحفية حدثا يوميا وأسبوعيا ينتظره القراء وكانت الكلمة تُصاغ كما تُصاغ القصيدة لا كما تُكتب الرسائل المستعجلة.
لم يكن يبحث عن الإثارة لأن ثقافته كانت أبلغ من الضجيج… ولم يكن يرفع صوته لأن قلمه كان يتكلم نيابة عنه…!
إن عبد الكريم قطاطة -في ما أرى معتزا به ومعترفا بالفضل- صاحب مدرسة في الأسلوب وقد عُرف كذلك بمسيرة طويلة في الإذاعة والتلفزة إذ التحق بمؤسسة الإذاعة والتلفزة سنة 1970 وتلقى تكوينا في المونتاج السمعي البصري ثم لمع اسمه خاصة في إذاعة صفاقس قبل أن يعود إلى الميكروفون بعد التقاعد ببرامج جديدة وظل حاضرا بقلمه ومقالاته في وسائل التواصل الاجتماعي…!
ولعليّ أضيف -وسأكون سعيدا بهذه الإضافة- فالتاريخ يقولها والجرائد تحكي عنها …تحكي عن خِلّة تميز بها عبد الكريم قطاطة في كتاباته …وهي خلّة العزف بالقلم…!
كان عبد الكريم قطاطة من أولئك الكتّاب الذين لا يكتبون بالحبر وحده بل يكتبون بالإحساس…كانت الكلمة بين يديه تفقد خشونتها وتكتسب نعومة الماء فتنساب إلى القارئ في هدوء لكنها تستقر في أعماقه طويلا… لم يكن يبحث عن العبارة الغريبة بل عن العبارة الجميلة ولا عن الزخرف اللغوي بل عن الجمال الذي يولد من الصدق…ولذلك كان أسلوبه يُقرأ قبل أن يُفهم ويُحَبّ قبل أن يُحلَّل.
ولعل سر سحره أنه كان يكتب بعين الصحفي وقلب الأديب وأنامل العازف…كان يرى الحدث لكنه لا يكتفي بوصفه بل يفتش عن روحه وعن دلالاته الإنسانية… فإذا كتب عن إنسان…منحك إنسانيته…وإذا كتب عن مدينة…جعلك تشم رائحة شوارعها….وإذا كتب عن فكرة أقنعك بها دون أن يرفع صوته أو يفرض رأيه…!
وكان من الرواد الذين فهموا أن المقال ليس مجرد رأي بل بناء أدبي متكامل…لذلك كانت مقدماته آسرة وانتقالاته سلسة وخواتيمه تظل عالقة في الذاكرة.
لقد كان يحترم القارئ إلى درجة أنه لا يترك جملة تمر دون أن تكون لها وظيفة ولا كلمة دون أن يكون لها وزنها في الميزان الصحفي والأدبي.
ولم يكن عبد الكريم قطاطة أسير الصحافة المكتوبة وحدها فقد امتدت رحلته إلى الإذاعة والتلفزيون وهناك أثبت أن الموهبة الحقيقية لا ترتبط بوسيلة واحدة…كان صوته يحمل الدفء نفسه الذي يحمله قلمه وكانت لغته المسموعة تحتفظ بأناقة لغته المكتوبة ولذلك ظل قريبا من جمهوره في كل محطة مر بها.
وأعتقد أن عبد الكريم قطاطة كان من آخر أبناء ذلك الجيل الذي كان يعتبر الصحافة أدبا يوميا… كانوا يختلفون في الأفكار لكنهم يتفقون على قدسية اللغة وعلى احترام عقل القارئ….كانوا يراجعون الجملة مرات ويبحثون عن الكلمة كما يبحث الصائغ عن الجوهرة النادرة لأنهم كانوا يدركون أن المقال الجيد لا يولد صدفة وإنما يولد من ثقافة واسعة وذوق رفيع وصبر طويل.
ولو سألني أحدهم: ما الذي بقي من عبد الكريم قطاطة؟ لقلت: بقي أسلوبه… فالأخبار تشيخ والأحداث تتغير أما الأسلوب الجميل فلا يشيخ أبدا….يبقى شابّا على الدوام…! إنه البصمة التي لا يستطيع الزمن أن يمحوها والعطر الذي يبقى في المكان بعد أن يغادر أصحابه…!
ولهذا أقول دون مبالغة إن عبد الكريم قطاطة لم يكن مجرد صحفي ناجح بل كان رائدا من رواد الأسلوب الصحفي في تونس ومن القلائل الذين جعلوا القارئ يعشق المقال لذاته لا لموضوعه فقط….وهذه منزلة لا يبلغها إلا الذين تتحول الكتابة بين أيديهم إلى فن ويتحول القلم في أصابعهم إلى آلة موسيقية تعزف الجمال قبل أن تكتب الكلمات.
وفي كل مرة أعود فيها إلى بعض مقالاته -خاصة في جريدة الأيام- أكتشف أن الكتابة الجميلة لا تشيخ….قد تصفر أوراق الجرائد…لكن النص الصادق يبقى أخضر…!
واليوم ونحن نعيش زمن السرعة واللهث وراء العنوان الصاخب نزداد يقينا أن أمثال عبد الكريم قطاطة لم يكونوا مجرد صحفيين بل كانوا حرّاسا للذوق وأمناء على اللغة وحراسا لمعنى الكلمة.
لقد علّمنا دون أن يقف يوما على منصة أن الصحافي الحقيقي ليس من يكتب أكثر…بل من يبقى أكثر…! ورحم الله جيلا كان يؤمن بأن المقال مسؤولية وأن القلم أخلاق وأن الصحافة ليست مهنة تؤكل بها الخبز فقط بل رسالة تُصنع بها العقول.
وسيظل عبد الكريم قطاطة في ذاكرتي وفي ذاكرة كل من أحب الكلمة الجميلة واحدا من أولئك الذين لم يكتبوا في الصحافة فقط…بل كتبوا الصحافة نفسها…!
كن بخير يا صديقي عبد الكريم قطاطة… فما زلت كلما عدت إلى مقالاتك أستعذب عزفك المنفرد وأقصد بذلك أسلوبك الساحر في الكتابة….كنت تعزف على أوتار اللغة لا على أوتار الموسيقى فتولد من بين يديك مقالات تُقرأ بالعقل وتُحفظ بالقلب وتبقى في الذاكرة طويلا… وذلك هو قدر الكتّاب الكبار أن يرحل المقال ويبقى الأسلوب…!
…ويا لتلك الأيام…والسلام عليك ختام…!




