للحقيقة والتاريخ بين العظيمين : الزعيم الحبيب بورقيبة والمفكر هشام جعيط….مصطفى عطية
ليس من الصدفة، مطلقا ان يرحل المفكر الكبير هشام جعيط (1جوان2021) يوم إحياء ذكرى عيد النصر ( تاريخ عودة الزعيم الحبيب بورقيبة مظفرا إلى ارض الوطن في 1جوان 1955) ، فطريق العباقرة، حتى وإن تعددت منعرجاته، ،ينتهي دوما بالتلاقي، وبين الحبيپ بورقيبة وهشام جعيط العديد من محطات التلاقح الخصب، رغم انهما كانا دوما في معترك منطق الصراع الخصب بين السياسي والمفكر، اي بين سلطة الحكم وسلطة الفكر.
كان اول لقاء مباشر بين الرجلين في سنة 1966، إثر صدور مجلة “الفكر” لمؤسسها محمد مزالي ورئيس تحريرها البشير بن سلامة، في عدد خاص بواقع ومستقبل الإسلام في تونس، شارك فيه العديد من كبار الكتاب والمفكرين التونسيين في ذاك العهد، كمحمد مزالي والبشير بن سلامة والعربي عبد الرزاق ومحمد الطالبي والفاضل بن عاشور والحبيب بلخوجة وغيرهم، وكان الشاب هشام جعيط قد افرد ذاك العدد بدراسة عميقة أعجبت الزعيم فٱستدعى هشام جعيط إلى مكتبه، لتسجل وقائع التاريخ لقاء الزعيم المفكر بالكاتب المعارض له.
إرتمى هشام جعيط ، بنرجسيته الإبداعية، على الكرسي الوثير، مستفزا النرجسية القيادية المعهودة للرئيس الحبيب بورقيبة، الذي فهم، بنباهته العالية، الرسالة جيدا وتعاطى مع ضيفه على خلفية ما تحمله من دلالات الصراع الشرعي بين الرجلين.
شكر بورقيبة المفكر الشاب على مقاله، مكبرا فيه عمق نظرته الإستشرافية، وبعد أن خاضا في المسألة الدينية بمرجعية تنويرية يتبنيانها بإيمان راسخ، سال بورقيبة هشام جعيط رأيه في محاولاته الإصلاحية بخصوص بعض المسائل المعقدة كتعدد الزوجات والمساواة في الإرث، فكانت إجابة المفكر الشاب مربكة لبورقيبة، إذ قال له بجراة :”الإصلاح السياسي والإجتماعي مهمة القائد السياسي، بل هو واجبه الأهم، لكن أركان الدين، وإن كانت ثابتة لا يمكن زعزعتها، فإن الاجتهاد في تفسير مقاصدها مشروع بالرجوع إلى أهل العلم ! بعد خمسين سنة بالتمام، وتحديدا سنة 2016 سألت هشام جعيط عن الصورة التي مازالت عالقة بذهنه نتيجة ذاك اللقاء، فأجابني بكل وضوح ودقة :”إكتشفت منذ الوهلة الأولى ان بورقيبة يسعى إلى احتوائي فأظهرت له أني عصي على الإحتواء”، وأضاف مستدركا :” إختلفت مع بورقيبة وعارضته، ولكني لم أشكك يوما في شرعيته النضالية وزعامته السياسية وعبقريته الإصلاحية”.





