معارضة الصيف…الصادق شعبان
قلّما نرى معارضة تنشط في فصل الصيف… إلا هذه المرة عندنا في تونس … فسبتمبر كان لا يعني لنا فقط “العودة المدرسية”، بل “العودة السياسية” أيضًا… لكن صيف 2026 أتى مختلفا ، وظهرت فيه المعارضة نشطة على غير عادتها …ففي هذا الصيف لم تكن الحرارة استثناءً تونسيًا، بل موجة غير مسبوقة ضربت دول العالم أجمع ، وقد تصبح ظاهرة متكررة بفعل التغيّرات المناخية العالمية…فقد تجاوزت الحرارة 43.8 درجة في فرنسا، وأكثر من 42.7 درجة في إسبانيا، وبلغت بين 41 و42 درجة في ألمانيا وسلوفاكيا والنمسا. وتسبّبت في انقطاعات متكررة للكهرباء، وفي تقييد استخدام مياه الحنفية والري في إيطاليا وفرنسا، مع جدولة التيار الكهربائي وخفض إنتاج المحطات الكهرومائية والنووية في المجر وبولندا لعدم توفر مياه التبريد…وفي الولايات المتحدة، ضربت موجات الحرّ ولايات كبرى كتكساس وكاليفورنيا، فاضطُرّت السلطات إلى تقليص الاستهلاك تفاديا لانهيار الشبكة الكهربائية العامة….أما في كندا، فقد التهمت النيران مئات آلاف الهكتارات في حرائق غابات تاريخية خلّفت سحبًا دخانية عابرة للحدود، كما اندلعت حرائق ضخمة في فرنسا والبرتغال وإسبانيا واليونان، ما فرض إخلاء عشرات آلاف السكان…عند هؤلاء – ومن تابع منكم الإعلام يعلم ذلك – لم نرَ خروجًا إلى الشوارع، ولا قطعًا للطرقات، ولا نقدًا لاذعًا على الفايسبوك، ولا لافتات تشجب انقطاع الماء أو الضوء… عند هؤلاء ترى تفهّمًا للأزمة وتضامنا حقيقيا، وإعلاما ينقل المآسي بمسؤولية، وبلاتوهات تبحث عن الحلول لا عن الإثارة. الدولة مجنّدة، وحالات الطوارئ معلنة، والجميع يدير الأزمة كأزمة، لا كفرصة…في عدة بلدان، تمددت السكك الحديدية من شدة الحرارة حتى انحنت وتوقفت القطارات، وتدهورت جودة الهواء بشكل خطير، وعُلّقت الدراسة في بلدان آسيوية، وخُفّضت ساعات العمل اليدوي. الأزمة إذن عالمية، وضغط التغيّر المناخي على البنية التحتية شمل الجميع دون استثناء…لكن الفرق الحقيقي لا يكمن في الأزمة، بل في سلوك المعارضة تجاهها…وليس في هذا الكلام إنكارٌ لحقّ المعارضة في المعارضة، فهذا حقّ مكفول لا جدال فيه، بل ركيزة من ركائز أي ديمقراطية حقيقية… المعارضة الجادة ضرورة، بل صمّام أمان يمنع السلطة من الانفراد بالقرار ، والاختلاف في تقدير الأزمة، وفي تقييم أداء الدولة، وفي طرح البدائل، كل ذلك من صميم العمل السياسي المشروع… لكن ما نُسائل هنا ليس حقّ المعارضة، بل هدفها … هل تُعارض من موقع المسؤول الذي يقترح ويحاسب ويشارك في الحل، أم تُعارض من موقع من ينتظر كل أزمة ليحوّلها إلى وقود؟ فالمعارضة التي تنتقد سياسة الدولة في التعامل مع الأزمة شيء، والمعارضة التي تستغل معاناة الناس – عطشهم، انقطاع كهربائهم، الحرّ المنهك – لتصفية حسابات سياسية، شيء آخر تمامًا…في تلك الدول، لم نرَ المعارضات تستغل الكوارث الطبيعية لتأجيج الشارع وإرباك الدولة. رأينا سياسيين من كل الأطياف يتنافسون في البحث عن الحلول، لا في اصطياد الفرص. فلكل مقام مقال، كما يُقال – وعندهم، مقام الأزمة يستدعي مقال المسؤولية…أما عندنا، فقد وجدت المعارضة في الحرّ فرصة كببرة … لا تضامن، ولا بحث عن إصلاح، بل تهييج واستغلال بامتياز… خروج إلى الشارع، ومواقف متشنجة تُصنع في الاستوديو قبل أن تُصنع في الميدان، وتحريك ممنهج للمعلومة على الفايسبوك، وترويج سريع لها عبر قنوات معروفة، وتحالفات شملت الاخضر و اليابس … لكن ليس لفائدة الناس أو لتخفيف الأزمة، بل تفاهما بين المعارضات نفسها من أجل هدف واحد: الإطاحة بالنظام…لم يفكّر أحد في المعارضة في الأسباب، ولم يتصوّر أحد الحلول، ولم يدعُ أحد إلى المساعدة… فقط حرارة فوق حرارة، وأزمة فوق أزمة، تُستثمر دون رفقة بالناس…وليس هذا بجديد… فهي، إلى حدّ كبير، نفس المعارضة التي خرجت في 2011 … نشطاء كانوا يرفعون شعارات حقوق الإنسان، وسرعان ما انقلبوا الى سياسيين يحتلون كل مواقع الدولة …افتكّوا الرئاسة والبرلمان والإدارة العليا والولايات والبلديات… نسوا حقوق الإنسان لأنها لم تكن يومًا الهدف الحقيقي … شعار يُرفع لا مبدأ يُطبّق… وتلذّذوا بالسلطة، وخرّبوا الدولة، وانتهكوا كل الحقوق التي رفعوا رايتها بالأمس، وجعلوا من الشعب – الذي خرج معهم يومًا – الضحية الحقيقية الوحيدة…المعارضة الحقيقية تُبنى بالفكرة والبديل، لا بالاستثمار في محنة الناس… وما دامت معارضتنا تختار الاستغلال بدل الاقتراح، والتهييج بدل الحل، فإنها تُضيّع على نفسها فرصة أن تكون معارضة بالمعنى الذي يستحقه هذا البلد – لا لأنها تعارض، بل لأنها تعارض من الجهة الخطأ، وفي اللحظة الخطأ، وبالأداة الخطأ…




