أين إختفى الشباب من التظاهرات العلمية؟…بقلم : محمد جمال الشرفي.

أين إختفى الشباب من التظاهرات العلمية؟…بقلم : محمد جمال الشرفي.

28 سبتمبر 2026، 21:45

قاعة مليئة بالكراسي، منصة أمام الجمهور، محاضر يتحدث عن التاريخ أو الثقافة أو الذاكرة، وصفوف من الحاضرين أغلبهم من الكهول وكبار السن. ثم نبحث عن الشباب… فلا نجد إلا القليل منهم.
المشهد يتكرر في عدد من التظاهرات العلمية والثقافية، في دور الثقافة ودور الشباب والجمعيات والمؤسسات التي يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة لكل الأجيال.
لكن أين الشباب؟
السؤال يبدو بسيطا، لكنه يخفي وراءه مشكلة أكبر بكثير من مجرد ضعف الحضور.
هل فقد الشباب اهتمامه بالتاريخ والثقافة والعلم؟ هل أصبح الهاتف أقوى من الكتاب، والشاشة أقوى من المحاضرة، ووسائل التواصل الاجتماعي بديلا عن الندوة الثقافية؟
قد يكون هذا جزءا من الصورة، لكنه بالتأكيد ليس الصورة كاملة.
فالشاب الذي لا نجده في قاعة المحاضرات قد نجده بعد ساعات أمام هاتفه يشاهد وثيقة تاريخية، أو يتابع قصة عن حضارة قديمة، أو يستمع إلى بودكاست يناقش قضية فكرية، أو يشاهد فيديو يشرح حدثا تاريخيا، أو يتابع صانع محتوى يحول موضوعا علميا معقدا إلى مادة يفهمها في دقائق.
إذن، ربما لم يختف الشباب من الثقافة.
ربما اختفت الثقافة من الطريقة التي اعتاد الشباب الوصول إليها.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
هل ما زالت المؤسسات الثقافية تنظر إلى الجمهور بالطريقة نفسها التي كانت تنظر إليه قبل سنوات؟ وهل تغيرت أدواتها بالسرعة نفسها التي تغيرت بها أدوات المجتمع؟
الشاب اليوم لا ينتظر بالضرورة أن تصله المعرفة من قاعة أو كتاب أو محاضرة. المعرفة أصبحت في جيبه. بضغطة واحدة يستطيع أن يشاهد محاضرة، ويقرأ وثيقة، ويقارن بين المصادر، ويستمع إلى نقاش، ويبحث عن صورة تاريخية، بل ويمكنه أن يناقش صاحب المحتوى مباشرة.
لقد تغيرت العلاقة بين الإنسان والمعرفة.
لكن بعض التظاهرات الثقافية ما زالت تعمل وفق المعادلة القديمة نفسها: شخص يتحدث، وجمهور يستمع.
المشكلة ليست في المحاضرة. وليست في الكتاب. وليست في الباحث أو المؤرخ.
المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن هذه الوسائل وحدها ما زالت كافية للوصول إلى جيل تغيرت عاداته في التواصل والتلقي والمشاركة.
التاريخ، على سبيل المثال، مادة شديدة القابلية للتحول إلى محتوى عصري. الصورة القديمة يمكن أن تصبح قصة. الوثيقة يمكن أن تصبح تحقيقا. الخريطة يمكن أن تتحول إلى رحلة بصرية. شهادة أحد كبار السن يمكن أن تصبح مادة توثق ذاكرة مدينة أو حي أو حدث. والمحاضرة نفسها يمكن أن تتحول إلى سلسلة من المقاطع التي تستمر في الوصول إلى الجمهور حتى بعد انتهاء التظاهرة.
لكن ذلك يتطلب شيئا أكثر من مجرد وضع شاشة داخل القاعة.
يتطلب تغيير العقلية.
الشباب لا يريد دائما أن يكون متفرجا. يريد أن يشارك، ويسأل، ويصور، ويناقش، وينتج، وينشر. يريد أن يشعر أن له مكانا داخل المشروع الثقافي، وليس أن يكون مجرد رقم في قائمة الحضور.
وهنا ربما ينبغي أن نطرح سؤالا محرجا بعض الشيء: هل صممنا هذه التظاهرات لكي يحضرها الشباب، أم صممناها بالطريقة التي اعتدنا عليها ثم طلبنا من الشباب أن يأتي؟
الفرق كبير.
فإذا كانت المؤسسة الثقافية تريد الوصول إلى الشباب، فليس من الضروري أن تنتظرهم دائما داخل قاعاتها. يمكنها أن تذهب إليهم حيث هم: على المنصات الرقمية، في الفيديوهات، في البودكاست، في شبكات التواصل، وفي فضاءات النقاش الجديدة.
وهذا لا يعني التخلي عن القاعات أو المحاضرات أو الندوات التقليدية.
على العكس.
ربما المطلوب هو أن تمتلك التظاهرة أكثر من حياة واحدة.
تقام الندوة في القاعة، لكنها تستمر رقميا. يقدم الباحث محاضرته، ثم تتحول أهم أفكارها إلى مقاطع قصيرة. تعرض الوثائق أمام الجمهور، ثم تصبح جزءا من أرشيف رقمي. يستمع الشباب إلى المؤرخ، ثم يشاركون في النقاش ويصنعون محتوى حول ما تعلموه.
عندها لا تصبح التكنولوجيا منافسا للثقافة، بل تصبح وسيلة لتوسيع جمهورها.
لكن المسؤولية ليست مسؤولية المنظمين وحدهم.
فالشباب نفسه تغيرت علاقته بالمؤسسات التقليدية، وأصبح أكثر انتقائية في اختيار ما يشاهده ويتابعه. كما أن الحياة اليومية، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وتغير أنماط الترفيه والتواصل، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في المشاركة الثقافية.
لذلك سيكون من السهل جدا، وربما من الخطأ، أن نقول إن الشباب لا يهتم.
كما سيكون من السهل أيضا أن نقول إن الكهول وكبار السن يرفضون التكنولوجيا والأفكار الجديدة.
الحقيقة أكثر تعقيدا.
هناك جيل يمتلك الذاكرة والخبرة والتجربة، وهناك جيل يمتلك أدوات جديدة في التواصل وصناعة المحتوى. المشكلة تبدأ عندما يتعامل كل جيل مع الآخر باعتباره عالما منفصلا.
لماذا لا يصبح الشاب شريكا في تنظيم الندوة؟ لماذا لا يشارك في إعدادها وتصويرها وإدارة النقاش حولها؟ لماذا لا نستفيد من خبرته في وسائل التواصل لإيصال المعرفة التي يمتلكها الباحث أو المؤرخ إلى جمهور أوسع؟
ولماذا لا يستفيد الشباب في المقابل من خبرة كبار السن، ومن ذاكرتهم وشهاداتهم وتجاربهم؟
ربما هنا توجد فرصة حقيقية.
بدلا من أن نضع الأجيال في مواجهة بعضها، يمكن أن نجعلها تكمل بعضها.
فالمشكلة ليست أن شابا يحمل هاتفا في يده، ولا أن رجلا مسنا يحمل كتابا في يده.
المشكلة عندما لا نعرف كيف نجعل الهاتف والكتاب يتحدثان إلى بعضهما.
لقد تغير العالم من حولنا. تغيرت طريقة الوصول إلى المعلومة، وتغيرت سرعة التواصل، وتغيرت عادات الجمهور، وتغيرت الأدوات التي يصنع بها الناس المعرفة ويتبادلونها.
فهل تغيرت مؤسساتنا الثقافية بالقدر نفسه؟
ربما يكون غياب الشباب عن بعض التظاهرات ليس دليلا على أنه أدار ظهره للثقافة، وإنما إشارة إلى أن هناك مسافة بدأت تتشكل بين الثقافة كما تقدمها بعض المؤسسات، والثقافة كما يعيشها الجيل الجديد.
وهذه المسافة لا يمكن سدها باللوم.
لا يمكن أن نقول للشباب: عودوا إلى القاعة.
ولا يمكن أن نقول للمنظمين: تخلوا عن كل ما تعرفونه.
المطلوب هو أن يلتقي الطرفان في مساحة جديدة.
مساحة لا تلغي المحاضرة، لكنها تطورها. لا تلغي الكتاب، لكنها تمنحه حياة رقمية. لا تلغي المؤرخ، لكنها تساعده على الوصول إلى جمهور لم يكن يصل إليه من قبل. ولا تلغي الشباب، بل تمنحه دورا حقيقيا في صناعة المشهد الثقافي.
وربما علينا أن نتوقف عن طرح السؤال بالطريقة القديمة: لماذا لا يحضر الشباب؟
فالسؤال الأكثر إزعاجا ربما هو:
إذا كان الشباب موجودا في كل مكان، ويتابع المعرفة، ويناقش التاريخ، ويستهلك الثقافة، ويصنع المحتوى يوميا… فلماذا لا نراه في مؤسساتنا الثقافية؟
هل ابتعد الشباب عن الثقافة فعلا؟
أم أننا ما زلنا نقدم له الثقافة بالطريقة التي كان يبحث عنها جيل آخر؟
وربما، قبل أن نطلب من الشباب أن يدخل القاعة، علينا أن نسأل أنفسنا: هل القاعة نفسها ما زالت تعرف كيف تخاطبه؟

مواضيع ذات صلة