المنظومة التعليمية في تونس وسوق الشغل: أزمة ربط لا أزمة شهائد…..بقلم : محمد جمال الشرفي
منذ سنوات طويلة، والحديث يدور في تونس حول أزمة البطالة وسط أصحاب الشهائد العليا، وكأن المشكلة قدر لا يمكن تفاديه. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالتعليم العالي في تونس، وخاصة في السنوات الأخيرة، أصبح ينتج أعدادا كبيرة من الخريجين في اختصاصات متنوعة، لغوية وتقنية وتكنولوجية، دون أن يكون هناك أي جسر حقيقي يربط بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاجه سوق الشغل فعليا. النتيجة أن الشهادة التي كان يفترض أن تكون مفتاحا للاندماج المهني، تتحول في كثير من الأحيان إلى ورقة لا تحمل قيمة تشغيلية حقيقية، لا في السوق المحلي ولا في الأسواق الخارجية.
السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بجدية هو: هل نبحث عن شهادة أم نبحث عن اختصاص يتماشى مع حاجيات سوق التشغيل؟ الفرق بين الأمرين جوهري. الشهادة وحدها، بمعزل عن سياقها الاقتصادي والجغرافي، لا تخلق فرص عمل، بينما الاختصاص المدروس والمبني على قراءة واقعية لحاجيات السوق المحلي هو ما يفتح الأبواب فعلا أمام الخريجين. ولكي تكون المنظومة التعليمية متوازنة، لا بد من ربط التكوين الجامعي بمتطلبات سوق الشغل، لا أن يبقى كل طرف يسير في اتجاه منفصل عن الآخر كما هو حاصل اليوم.
وهذا الربط لا يمكن أن يتم بمعزل عن الموارد المتوفرة محليا. فسوق التشغيل، في جوهره، مرتبط ارتباطا وثيقا بالاختصاصات الموجودة في كل جهة وبالمواد الأولية التي تستخرج منها. الصناعات لا تصبح مربحة ومجدية إلا إذا كانت قريبة من مناطق استخراج موادها الأولية. وهنا يحضر مثال الفسفاط بشكل بارز، فهذه المادة تستخرج من الجنوب الغربي للبلاد، لكنها تنقل إلى الجنوب الشرقي لتصنيعها، وهو ما يرفع كلفتها بشكل كبير ويجعلها أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية. لو كانت مصانع التحويل قريبة من مناطق الاستخراج نفسها، لانخفضت التكاليف، ولأصبحت المادة المحولة أكثر قابلية للتسويق سواء داخليا أو خارجيا. وهذا المنطق لا ينطبق على الفسفاط وحده، بل هو نموذج يمكن تعميمه على قطاعات أخرى كثيرة، حيث يمكن أن يكون التكوين الجامعي والتقني في كل جهة منسجما مع مواردها ومقوماتها الاقتصادية الخاصة.
من هذا المنطلق، فإن منح شهادات لا تقابلها فرص عمل حقيقية هو استثمار بلا عائد، لا للفرد ولا للدولة. الطالب الذي يتخرج في اختصاص لا يجد له مكانا في سوق الشغل المحلي، ولا يتماشى مع ما يطلبه السوق العالمي أيضا، يجد نفسه في النهاية أمام شهادة بلا قيمة فعلية، مهما كانت مكانتها العلمية أو الأكاديمية. وهذا ما يفسر جزءا كبيرا من أزمة البطالة في صفوف الخريجين، فالمشكلة ليست في نقص الكفاءات، بل في غياب الرؤية التي تربط بين التكوين والموارد المحلية ومتطلبات السوق، محليا وعالميا.
لذلك، فإن إصلاح المنظومة التعليمية في تونس لا يمر عبر زيادة عدد الاختصاصات أو تنويعها فقط، بل عبر إعادة النظر في الفلسفة التي تحكم هذا التكوين من أساسها. يجب أن تنطلق الخطط التعليمية من سؤال بسيط لكنه حاسم: أين تكمن موارد هذه الجهة أو تلك؟ وما هي الصناعات التي يمكن أن تقوم عليها؟ وما الاختصاصات التي يحتاجها هذا النسيج الاقتصادي فعلا؟ حين تتم الإجابة عن هذه الأسئلة بصدق، يصبح التكوين الجامعي أداة حقيقية للتنمية، لا مجرد مصنع لإنتاج الشهائد.





