غلاء الأسعار يسحق الطبقة المتوسطة ويعطل التنمية ….
لم يعد غلاء الأسعار مجرّد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل أصبح واقعاً يومياً يثقل كاهل العائلات ويهدّد التوازن الاجتماعي والاقتصادي. فمع الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية والسكن والنقل والصحة والتعليم، أصبحت القدرة الشرائية للمواطن تتراجع بشكل ملحوظ، حتى بات أصحاب الدخل المتوسط يجدون صعوبة متزايدة في المحافظة على مستوى عيش كانوا يعتبرونه في السابق عادياً ومستقراً.
إنّ الطبقة المتوسطة، التي تمثّل تاريخياً ركيزة الاستقرار الاجتماعي ومحركاً أساسياً للاقتصاد، أصبحت اليوم تعيش حالة من الاستنزاف الصامت. فالموظف الذي يقضي سنوات طويلة في الدراسة والعمل والترقي المهني، يجد نفسه في كثير من الأحيان عاجزاً عن تحقيق أبسط تطلعاته: امتلاك مسكن، واقتناء سيارة، وتوفير تعليم جيد لأبنائه، والادخار لمواجهة تقلبات الحياة. بل إنّ الراتب الشهري، الذي كان يفترض أن يكون ضماناً للاستقرار، أصبح لدى كثيرين مجرّد مبلغ يتبخر قبل نهاية الشهر.
وتزداد خطورة هذه الوضعية عندما لا تواكب الزيادات في الأجور نسق ارتفاع الأسعار. فكل زيادة اسمية في الراتب قد تفقد قيمتها سريعاً أمام موجة جديدة من التضخم. وهكذا يجد المواطن نفسه في سباق لا ينتهي مع الأسعار، يعمل أكثر وينفق أكثر، دون أن تتحسن ظروفه المعيشية بالضرورة.
ولا تتوقف تداعيات هذه الأزمة عند حدود العائلة، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فعندما تتراجع القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، ينكمش الاستهلاك، وتتراجع حركة التجارة والخدمات، وتتقلص فرص الاستثمار والتشغيل. كما أن العائلة التي تستهلك كل دخلها لتلبية حاجياتها الأساسية لا تستطيع الادخار أو الاستثمار أو المساهمة في بعث المشاريع الصغيرة، وهي من أهم روافد التنمية الاقتصادية.
ومن جهة أخرى، يؤدي الضغط المعيشي إلى تفاقم المديونية، حيث تجد العائلات نفسها مضطرة إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها أو مواجهة المصاريف الطارئة. وقد يتحول القرض، الذي كان وسيلة لتحسين ظروف العيش، إلى عبء طويل الأمد يستنزف جزءاً كبيراً من الدخل الشهري ويحدّ من القدرة على التخطيط للمستقبل.
إنّ خطورة تآكل الطبقة المتوسطة تكمن أيضاً في انعكاساته على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. فحين يصبح التعليم الجيد والصحة والسكن اللائق امتيازات يصعب على أصحاب الأجور المتوسطة توفيرها، تتعمق الفوارق الاجتماعية وتتقلص فرص الحراك الاجتماعي، ويصبح العمل والاجتهاد أقل قدرة على ضمان حياة كريمة.
إنّ مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالحلول الظرفية أو الزيادات المحدودة في الأجور فحسب، بل تتطلب سياسة اقتصادية واجتماعية متكاملة تقوم على التحكم في الأسعار، ومقاومة الاحتكار والمضاربة، وتحسين الإنتاجية، ودعم الإنتاج الوطني، ومراجعة منظومة الأجور والجباية بما يضمن حماية القدرة الشرائية وتوزيعاً أكثر توازناً للأعباء الاقتصادية.
فالتنمية ليست مجرد أرقام ومؤشرات ونسب نمو، بل هي قبل كل شيء قدرة المواطن على العيش بكرامة، والعمل والإنتاج والادخار والتطلع إلى مستقبل أفضل.
إنّ إنقاذ الطبقة المتوسطة ليس مطلباً فئوياً أو امتيازاً اجتماعياً، بل هو شرط أساسي لتحقيق الاستقرار ودفع عجلة التنمية. فالدولة التي تضعف فيها طبقتها المتوسطة تفقد تدريجياً إحدى أهم ركائز توازنها الاقتصادي والاجتماعي.
وحين يصبح الراتب عاجزاً عن تأمين حياة كريمة، لا يكون الخطر في غلاء الأسعار وحده، بل في ضياع الثقة في جدوى العمل وفي إمكانية بناء مستقبل أفضل.
ناجح الصّيد




