هذه صفاقس ….فلمن الشكوى بعد الله ؟ … بقلم د. محمد الناصر بن عرب
هل يُعقل أن تبقى مدينة بحجم صفاقس، بتاريخها العريق وثقلها الاقتصادي والعلمي والحضاري، تعاني اليوم من هذا القدر من الإهمال والتهميش؟
صفاقس ليست مدينة عادية. هي مدينة عريقة، ذات مدينة عتيقة وأسوار ومعالم تاريخية، وهي عاصمة اقتصادية للجنوب، وولاية يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، وجامعة تضم عشرات الآلاف من الطلبة، وتخرّج الكفاءات في الطب والهندسة والعلوم والصحة والاقتصاد والعلوم الإنسانية.
ومع ذلك، فإن واقع المدينة اليوم لا يليق بتاريخها ولا بمكانتها ولا بما تقدمه للدولة التونسية.
أولًا: المدينة العتيقة… تراث ينهار أمام أعيننا
إن ما يحدث داخل المدينة العتيقة لصفاقس لم يعد مجرد نقائص بسيطة، بل أصبح وضعًا يستوجب تدخلًا عاجلًا ومسؤولًا:
● عشرات المنازل مهددة بالانهيار.
● تدمير أو تغيير معالم عدد من المباني العتيقة والدينية والمنازل التقليدية وتحويل بعضها إلى محلات ومخازن.
● مسالك وممرات مهملة تفتقر إلى الصيانة.
● شوارع وحواشٍ مليئة بالحفر وتحتاج إلى تهيئة حقيقية.
● تلوث بيئي وبصري وروائح كريهة تشوّه المدينة.
● تراكم الفضلات في عدد من المسالك والأماكن البعيدة عن حركة السكان.
● نقص حاويات الفضلات وتدهور النظافة، بما يساهم في انتشار القوارض.
● اختفاء النافورة التاريخية أمام سيدي علي الكراي، وغياب التشجير والزهور والعناصر الجمالية التي يمكن أن تمنح المدينة رونقها.
● تراجع جاذبية المدينة أمام سكانها وزوارها والسياح.
● تدهور عدد من عناصر الموروث المعماري والثقافي.
● تأخر صيانة وترميم أجزاء من الأسوار والمعالم التاريخية، بما يثير مخاوف حقيقية على سلامتها.
إن التراث إذا انهار لا يمكن إعادة بنائه كما كان، والتاريخ إذا ضاع لا تعوّضه الاعتمادات بعد فوات الأوان.
ثانيًا: باب البحر… واجهة مدينة تستحق أفضل من هذا
أما المدينة الحديثة، وخاصة منطقة باب البحر، فإن حال عدد من مبانيها ومعالمها التاريخية مؤلم ومؤسف.
معالم جميلة شُيّدت في بداية القرن العشرين تتآكل أمام أعيننا، وتحتاج إلى برنامج واضح ومستدام للترميم والصيانة قبل أن يصبح التدخل أكثر كلفة وأكثر صعوبة.
فأين هي خطة الدولة لحماية هذه الواجهة التاريخية؟
ثالثًا: أين الثقافة في مدينة بهذا الحجم؟
من غير المعقول أن تبقى صفاقس، بتاريخها الحضاري والاقتصادي والعلمي، دون متحف وطني كبير يليق بمكانتها.
صفاقس وولايتها تزخر بمواقع تاريخية وأثرية يمكن أن تكون رافعة حقيقية للسياحة الثقافية:
المدينة العتيقة – جزر قرقنة – موقع طينة الأثري – يونقة – الرقة – بطرية/أكولا – هنشير الشعال – وغيرها من المواقع والمعالم.
لو تم استثمار هذا الرصيد الحضاري بالشكل المطلوب، لأصبحت صفاقس وجهة سياحية وثقافية ذات وزن وطني ودولي.
كما أن محدودية الفضاءات الثقافية وشبه غياب قاعات السينما لا يتناسبان مع حجم المدينة ولا مع عدد سكانها وطلبتها وشبابها.
رابعًا: أين نصيب صفاقس من السياحة والاستثمار في بنيتها التحتية؟
صفاقس لا تحتاج إلى خطابات جديدة بقدر ما تحتاج إلى قرارات ومشاريع وآجال واضحة.
مطار صفاقس–طينة، باعتباره مطار عاصمة الجنوب، يحتاج إلى حركة جوية تتناسب مع حجم المنطقة وسكانها ووزنها الاقتصادي، حتى لا يضطر المواطنون إلى التنقل لمسافات طويلة عبر مطارات أخرى للسفر.
وميناء صفاقس، الذي يمثل أحد أهم الموانئ التونسية، يحتاج بدوره إلى رؤية واضحة تعيد له دوره وتدعم نشاطه التجاري والاقتصادي.
خامسًا: صفاقس مدينة بحرية… فأين شواطئها؟
كيف يعقل أن تكون صفاقس مدينة ساحلية كبرى، ثم يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى البحث عن فضاءات للسباحة والترفيه خارج ولايته؟
متى تتم تهيئة شواطئ صفاقس؟
متى تُنجز مسابح عمومية ورياضية متعددة تستجيب لحاجيات السكان والشباب؟
متى تُهيّأ فضاءات ترفيه وثقافة حقيقية لطلبة الجامعات وشباب الجهة؟
هذه ليست مطالب ترفيهية ثانوية، بل جزء من حق المواطن في مدينة متوازنة توفر له الحياة الكريمة والفضاءات العمومية اللائقة.
سادسًا: أزمة النقل… المواطن يدفع ثمن غياب الحلول
أما حركة المرور في صفاقس، فقد أصبحت معاناة يومية.
نقص وسائل النقل العمومي، وعدم كفاية الحافلات، وغياب حلول نقل جماعي سريعة وفعالة، جعل المواطن يعتمد أكثر فأكثر على سيارته الخاصة، لتتحول شوارع المدينة إلى ازدحام يومي يستنزف الوقت والأعصاب والمال.
صفاقس تحتاج إلى منظومة نقل عمومي عصرية، لا إلى حلول ترقيعية.
إلى متى؟
إلى متى تبقى صفاقس تنتظر؟
إلى متى تبقى المدينة العتيقة وأسوارها ومعالمها شاهدة على الإهمال؟
إلى متى تبقى المواقع الأثرية تنتظر من يكتشف قيمتها؟
إلى متى يبقى شباب صفاقس يبحث عن فضاء للثقافة والرياضة والترفيه؟
إلى متى يبقى المواطن الصفاقسي يدفع ثمن نقص النقل وتدهور البيئة وغياب التهيئة؟
وإلى متى تبقى مدينة بهذا الحجم الاقتصادي والعلمي والحضاري تتعامل مع مشاكلها بمنطق المعالجة المؤقتة بدل الرؤية الاستراتيجية؟
صفاقس لا تطلب صدقة من الدولة… بل تطالب بحقها.
نحن لا نطلب امتيازًا لصفاقس على حساب بقية الجهات، ولا نطالب بما لا تستحقه بقية المدن.
نطالب فقط بأن تتعامل الدولة مع صفاقس بما يليق بتاريخها، وبحجم مساهمتها في الاقتصاد الوطني، وبعدد سكانها، وبثروتها البشرية والعلمية، وبموروثها الحضاري.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس وعودًا جديدة، وإنما:
برنامج وطني وجهوي عاجل لإنقاذ المدينة العتيقة وأسوارها، وترميم المعالم التاريخية، وتأهيل باب البحر، وحماية المواقع الأثرية، وتحسين النظافة والبيئة، وتهيئة الشواطئ، وتطوير النقل، ودعم البنية الثقافية والرياضية والسياحية.
صفاقس لا ينقصها أبناؤها ولا كفاءاتها ولا إمكانياتها.
ما ينقصها هو القرار، والرؤية، والتنفيذ.
فهل تتحرك الدولة قبل أن يتحول الإهمال إلى خسارة لا يمكن تداركها؟
أنقذوا صفاقس قبل أن يصبح إنقاذها مستحيلًا.
صفاقس تستحق أن تُصان… لا أن تُترك لتنهار أمام أعين الجميع.




