تقرير تركيبي: وضع العلامات على المنتجات في تونس: “قضايا الهوية والحفاظ على اللغة الوطنية”… بقلم : محمد جمال الشرفي
26 أوت 2026، 21:15
- مقدمة للإطار التحليلي
يتجلى المشهد اللغوي الاجتماعي في تونس بوضوح في العادات الاستهلاكية اليومية. فوضع العلامات على المنتجات، بعيدًا عن كونه مجرد إجراء لوجستي، يُمثل جوهر قضية السيادة اللغوية، ويُعدّ مؤشرًا على احترام التسلسل الهرمي المعياري الوطني. في دولة يُنظّم فيها القانون معلومات المستهلك بدقة، لا يُعدّ ظهور اللغة الوطنية في المجال التجاري مجرد مسألة سهولة قراءة، بل هو فعل اعتراف مدني.
يهدف هذا التقرير إلى تحليل التباين المتزايد بين الإطار القانوني التونسي – الذي يُلزم باستخدام اللغة العربية – والممارسة التجارية التي تتجه نحو طمسها. والهدف هو تحديد آليات المسؤولية الجماعية اللازمة لإعادة إحياء اللغة الوطنية، لأن بساطة عبوة منتج مطبخي ظاهريًا تُجسّد في الواقع قضايا هوية ذات عمق غير متوقع.
٢. الوضع الراهن: تطبيع التآكل الرمزي
تكشف الملاحظة الميدانية لأرفف المتاجر عن شذوذ أصبح الآن أمرًا طبيعيًا: هيمنة اللغة الفرنسية على حساب اللغة الوطنية. وتؤكد البيانات الميدانية خطورة هذه الظاهرة، حيث أن ثلاثة من عينة عشوائية مكونة من خمسة منتجات استهلاكية تحمل ملصقات باللغة الفرنسية فقط. ويشير هذا التفاوت إلى تهميش رمزي للغة العربية في الحياة اليومية.
لا ينبع هذا التراجع اللغوي من انقطاع مفاجئ، بل من تحول وظيفي يتم فيه التخلي عن اللغة تدريجيًا:
- التغليف والتعليمات: تُرسخ اللغة الفرنسية كلغة طبيعية للتقدم التكنولوجي والتجارة.
- اللافتات ووسائل الإعلان: تُسهم في جمالية حضرية تُجرّد اللغة الأم من مكانتها.
- الواجهات الرقمية والوثائق الإدارية: تُعزز هذه الوسائل شكلًا من أشكال الازدواجية اللغوية حيث تُعتبر اللغة العربية ثانوية في أدوات إدارة الحداثة.
يكمن الخطر فيما يُطلق عليه علم اجتماع التواصل “التطبيع الاجتماعي والثقافي للتجاوز”. فعندما يُحوّل تكرار الغياب انتهاك القانون إلى معيار اجتماعي، يصبح اللامبالاة الجماعية دافعًا أقوى للتخلي عن الهوية الثقافية من غياب العقوبات. وهكذا، تخضع اللغة العربية لتضييق وظيفي، إذ تُحصر تدريجيًا في مجالات المقدس والأدب والإدارة البحتة، وتُحرم من أي دور في الحداثة التجارية.
- تحليل توترات الهوية والموقع الإقليمي
يُحلل موقع تونس هنا من خلال “مفارقة الزائر”. فبالنسبة للسائح القادم من العالم العربي، تكون الصدمة البصرية فورية: إذ يُحدث اكتشاف العلامات التجارية المحلية التي تتجاهل عبواتها اللغة الوطنية تمامًا فجوة بين الجذور التاريخية العريقة للبلاد وواقعها البصري المباشر. تُشير هذه الملاحظة إلى نوع من التغييب الذاتي داخل الفضاء السيادي للفرد.
من الضروري فك شفرة التوتر بين الانفتاح الدولي والتخلي عن الهوية الثقافية. مع أن التعدد اللغوي ميزة لا جدال فيها، إلا أنه يجب ألا يتحول أبدًا إلى آلية استبدال تمحو اللغة الأم. علينا أن نرفض الثنائية التبسيطية بين “الغرب” و”العالم العربي”، وأن نراجع بدلًا من ذلك مسؤوليتنا الداخلية. إن الوضع الراهن ليس نتاجًا لضغوط خارجية بقدر ما هو نتاج عقدة نقص داخلية، تغذيها خيارات اقتصادية ونظام تعليمي رسّخا في نهاية المطاف هذا التخلي الثقافي. لا تحتاج الهوية الراسخة إلى رفض الآخر، ولكنها تتطلب، من حيث المبدأ والكرامة، أن تحترم ذاتها أولًا وقبل كل شيء. - تحديد المسؤوليات: الجهات الفاعلة في سلسلة القيمة
يتطلب استعادة التوازن اللغوي إجراءات منهجية، حيث يجب على كل حلقة في سلسلة القيمة أن تتحمل مسؤولياتها لمنع تآكل الهوية على المدى الطويل.
- الهيئات التنظيمية: هي المسؤولة عن تطبيق اللوائح بشكل قاطع.
- عواقب الفشل: يؤدي التقاعس على هذا المستوى حتمًا إلى تآكل سيادة القانون، حيث يصبح القانون مجرد اقتراح اختياري في مواجهة المصالح الخاصة.
- المصنّعون والشركات: يجب عليهم دمج اللغة العربية منذ مرحلة التصميم كلغة تواصل طبيعية.
- عواقب الفشل: بإغفال اللغة الوطنية، يساهمون بشكل فعّال في تهميش رمزي يفصل المنتج عن سياقه الاجتماعي والثقافي الأصلي.
- الموزعون: بصفتهم الحلقة الأخيرة قبل الشراء، يجب عليهم…عدم ضمان مطابقة المنتجات المعروضة على الرفوف للمعايير.
- نتيجة هذا التقصير: يُعدّ تقاعسهم بمثابة “إضفاء شرعية سوقية على عدم الشرعية”، مما يجعل المستهلك أسيرًا لعرض يتجاهل حقوقه اللغوية.
- المستهلكون: هم القوة الدافعة وراء اليقظة المدنية.
- نتيجة هذا التقصير: يُرسّخ لامبالاة المستهلك فقدان دوره المدني، مُحوّلاً إياه من صاحب حقوق إلى مُتلقٍّ سلبي لثقافة أجنبية.
- نحو تعددية لغوية بنّاءة دون تنازل
يجب على تونس الحديثة أن تسعى جاهدةً نحو توليفة قادرة على التوفيق بين تأثيراتها المتعددة دون المساس بكرامتها. يجب فهم تعزيز اللغة العربية في المجال التجاري على أنه استعادة لكرامة المستهلك، لا تراجعًا إلى سياسات الهوية.
لا ينبغي النظر إلى التطبيق الصارم للقانون على أنه قيد بيروقراطي، بل كفرصة لتحديث استخدام اللغة الوطنية. تتبلور عدة مسارات للتفكير: تشجيع الشركات من خلال جوائز التميز في التصميم ثنائي اللغة، أو إطلاق حملات توعية تُبرز اللغة العربية كلغة المستهلك التونسي المعاصر. الهدف واضح: تنمية ارتباط قوي باللغة الوطنية بحيث يبقى استخدام اللغات الأجنبية ميزة وظيفية دون أن يتحول إلى بديل وجودي. - الخلاصة العامة
في نهاية المطاف، تتجاوز مسألة وضع العلامات في تونس الاعتبارات التقنية لتطرح السؤال الجوهري حول الهوية. لا يكمن الخطر الحقيقي في التعايش مع اللغة الفرنسية، بل في اللامبالاة المرضية تجاه لغة وطنية يُنظر إليها خطأً على أنها غير متوافقة مع التجارة الحديثة.
السؤال الأخير الذي يطرحه هذا التحليل هو سؤال السرد: بأي لغة تختار تونس أن تروي قصتها لنفسها وللعالم؟ إن الحفاظ على التراث اللغوي مسؤولية ملحة. استعادة المساحة المكتوبة لمنتجاتنا هي الخطوة الأولى نحو مجتمع يحترم ذاته، ويفرض احترام هويته على الجميع.




