للحقيقة والتاريخ : قد أستفزكم بالقول : أن بورقيبة كان ديمقراطيا!…مصطفى عطيّة
دأب الزعيم الحبيب بورقيبة على تناول مسألة الديمقراطية بالتحليل في خطبه، والتأكيد بٱستمرار على أنها من صميم إهتمامات النخب التونسية طيلة، أكثر من ثلاثة أرباع القرن، أي منذ إضطرام لهيب حركة النضال الوطني ضد الإستعمار في النصف الثاني من ثلاثينات القرن الماضي. فقد كتب بورقيبة، خلال تلك الفترة العديد من المقالات في الشأن الديمقراطي، وٱقتفى أثره الكثير من رفاق دربه أمثال الهادي نويرة والباهي الأدغم، ثم أحمد التليلي والحبيب بولعراس ومحمد مزالي وغيرهم، كل حسب مرجعياته الفكرية وقناعاته وقراءاته للواقع التونسي.
كان بورقيبة يؤمن إيمانا عميقا بأن الفكر الديمقراطي هو حاضنة ثقافة التنوير ففي عهده ظهرت الطليعة الأدبية والمسرح التجريبي، وجماعة رواق “إرتسام”، ومجموعات الأغنية الملتزمة، وكانت المهرجانات تنبض على إيقاع هذه الإنتاجات، ونشر عزالدين المدني روايته “الإنسان الصفر”، ومصطفى الفارسي رائعته “البيادق” والحبيب الزناد ديوانه “المجزوم بلم” والمنصف المزغني مجموعته “عياش” وجيلبار نقاش سيرته “كريستال”، وصالح القرمادي مجموعته “اللحمة الحية”، وفي عهده أيضا شهدت المسارح “مراد الثالث” و “ثورة صاحب الحمار” و “الفرجة” و”تمثيل كلام”، وكتب جعفر ماجد قصيدته المزلزلة “الصباح الجديد” ونشرها بمجلة الفكر.
وللتاريخ فإن المرحوم محمد مزالي هو أول من دون مقاربته ونشرها في كتاب بعنوان “الديمقراطية” وهو باكورة إنتاج سلسلة “كتاب البعث”، التي أسسها ومولها وأدارها الأديب الراحل أبو القاسم محمد كرو. بقي أن لا أحد من كل هؤلاء وغيرهم، بٱستثناء النقابي أحمد التليلي، وبعده بكثير الإعلامي البشير بن يحمد والمفكر الحبيب بولعراس رحمهم الله، كان قد طالب بتطبيق الديمقراطية على الطريقة الغربية، وتنزيلها تنزيلا على الواقع التونسي دون مراعاة لخصوصياته، فبورقيبة كان يعتقد إعتقادا جازما أن الشعب التونسي لم يبلغ مرحلة النضج التي تؤهله لٱستيعاب قيم الديمقراطية، لذلك تفرغ للعمل على توفير الظروف الموضوعية لٱنبعاثها ونموها، ومنها بالخصوص التحديث الإجتماعي والتنوير الفكري والديني، واتبع الهادي نويرة خطى بورقيبة وصدح بقولته الشهيرة: “لا معنى للديمقراطية إذا تكتل الذين لا يعلمون ضد الذين يعلمون”، أما محمد مزالي فقد حاول إتخاذ منزلة بين المنزلتين، والتبشير بديمقراطية متدرجة، لكنه إصطدم بعدة عراقيل يطول شرحها وتختلف أسبابها، وكانت إنتخابات 1981 ضربة موجعة لمحاولته التي دنستها المهازل والفضائح، كما ذكرنا في مقالات سابقة.
يرى القارىء اني غفلت عن ذكر “ديمقراطيي” مؤتمر المنستير للحزب الإشتراكي الدستوري في مطلع سبعينات القرن الماضي، أمثال أحمد المستيري وحسيب بن عمار وراضية الحداد ومصطفى بن جعفر ومحمد بن أحمد وغيرهم، وفي الحقيقة لم يكن ذلك سهوا مني وإنما تعمدته بسابقية الإضمار، لأني أعتقد، جازم الإعتقاد، أن نظرة هؤلاء للديمقراطية كانت محدودة جدا، ومشبوهة إلى حد الإبتذال، ودافعهم الأساسي كما غايتهم القصوى كانا ملوثين بأقذر آفات الطبقية والجهوية العفنتين. كانت معركتهم تستند إلى انتماء طبقي ارستقراطي يوهم بأنهم اولى من “الآفاقيين” بحكم البلاد !!!، ونتذكر كيف دافع احمد المستيري بشراسة عن الإبقاء على النظام الملكي في مطلع الإستقلال، مقترحا تغيير العائلة المالكة الحسينية بعائلة المستيري، وكان رفض بورقيبة والباهي الأدغم والهادي نويرة وجلولي فارس وعبد الله فرحات، بالخصوص، قويا وحاسما، وهو ما كان وراء عداوة احمد المستيري لبورقيبة ورفاقه الاوفياء. ويشهد مؤرخو فترة السبعينات أن المعركة التي ادعى أحمد المستيري وحسيب بن عمار وشقيقته راضية الحداد ومحمد بن احمد ومصطفى بن جعفر والباجي قائد السبسي ( لفترة وجيزة) وبقية “البلدية” انها معركة “الديمقراطيين” ضد “الرجعيين” هي في الأساس معركة جهوية بين “البلدية” والسواحلية.
أردت سرد هذه الوقائع للتأكيد على أن الديمقراطية، كفكر ومطلب شعبي، ليست وليدة اليوم، ولم يأت بها حراك الرابع عشر من جانفي 2011، وإنما هي متجذرة بعمق في الفكر التونسي الحديث والمعاصر، رغم ما اقترف بٱسمها من آثام، لكن الظروف لم تكن متوفرة لوضع آلياتها وتطبيق بنودها والإلتزام بقيمها، وهي الوضعية التي مازالت سائدة إلى اليوم وتعرقل المسار الديمقراطي الناشئ.




